أبي منصور الماتريدي
131
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
آثرت فعل البهيمي في الدين على فعل البشرى ، والكتابية آثرت فعل البشرى ، وهو ما يدعو إليه العقل لا الطباع ؛ لأنهن يرجعن في الاختيار إلى الإيمان بالرسل لكن أنهى إليهن أنهم نهوا عن الإيمان بمن يدعوهن إليه ، فاعتقدن على ذلك بالآثار عندهن من الحجج ، كما اعتقدنا نحن بأن لا نبي بعد نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لكن خبرنا صحيح وخبرهم فاسد . وإلا فوجه الاعتقاد على ما في العقل ذلك . وأما المشركة لم تختر ذلك بحجة أنما كان لوجود الآباء على ذلك من غير الإنهاء إلى من في العقل اتباعه ؛ كما قالوا : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ . . . * الآية [ الزخرف : 22 ] ، فحرم علينا نكاحها لخبث اختيارها « 1 » واتباع فعل البهيمي ، وإيثاره على فعل البشرى . واللّه أعلم . وعلى ذلك لو أسلمت لم يعظم درجة إسلامها ، لولا أنا نرجو من رحمة اللّه أن اللّه - إذا قبلت هي الإسلام - بالاختيار لينير قلبها حتى ينشرح صدرها للحق لكان لا يكون لإسلامها فضل حمد « 2 » . واللّه الموفق . ووجه آخر : أن الكتابية لما آمنت بكتب الأنبياء ، عليهم الصلوات والسلام ، في الجملة ، فقد آمنت بذلك بالرسل جميعا ، لكنها كذبت [ - من كذبت - ] « 3 » لما وقع الخبر عندها بخلاف الحقيقة ، فأمكن أن تنبه عن حقيقة ذلك بالكتاب الذي آمنت به ؛ ليكون إيمانها في الحقيقة إيمانا بمن كذبته بما ظنت أن في ذلك الكتاب تصديقا . والمشركة احتيج فيها إلى ابتداء الإلزام ، لا أن كان معها ما به اللزوم مما قد وجد إيمانها به . واللّه أعلم . وعلى هذا لا يسلم للمرتد حق الكتاب إذا اختاره ؛ لأنا نعلم أنه يظهر ذلك ، لا أنه في الحقيقة مختار ؛ إذ كتابنا مصدق كتابهم ، فلم يجز أن تظهر له بما به التصديق التكذيب ليرجع إلى رد هذا بقبول الآخر . فلذلك لم تحل ذبائحهم . واللّه أعلم . ودليل النهى عن النكاح والإنكاح حتى يكون الإيمان ، [ أن الإيمان ] « 4 » معروف عندهم ، يعلمون به حقيقة الشرط . واللّه أعلم . ومخاطبات الأولياء في قوله : وَلا تَنْكِحُوا ، يخرج على الأمر المعروف من التولي ، أو على الوقت الذي إليهم حق التولية ، أو على أن الحق لهن عليهم في التزويج إذا أردن ، فنهوا عن ذلك ؛ ليعلم أن لا حق يجب لهم في ذلك . واللّه أعلم « 5 » .
--> ( 1 ) في أ ، ط : اختيار . ( 2 ) في ب : جهد . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في أ : واللّه الموفق .